محمود سالم محمد
250
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وليست هناك حياة كانت على الأرض هي أغنى بواقعها المجرد من حياة سيد الخلق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهي حياة تنطق كل حركة منها ، ويشهد كل موقف من مواقفها بأنها حياة بلغت في السلوك البشري حد الإعجاز ، وأن خصائصه ومعجزاته التي نطقت بها آيات الكتاب الكريم والسنن الصحيحة والآثار المعتبرة ، لهي من الكثرة والوفرة بحيث لا تحتاج إلى تلك الزيادات التي يمجها الذوق السليم ، وتعافها حياة الفطرة ، والتي لا يشهد لها سند صحيح ولا نقل موثق » « 1 » . فإذا ما التفتنا إلى المدائح النبوية ، وجدناها حافلة بضروب مختلفة من صور نظرية الحقيقة المحمدية ، وقلما تجاوز ذكرها شاعر من شعراء المديح النبوي ، فابن عربي يعبّر عن نظريته في الحقيقة المحمدية شعرا ، ويقول : ويكون هذا السّيّد العلم الذي * جرّدته من دورة الخلفاء وجعلته الأصل الكريم وآدم * ما بين طينة خلقه والماء ونقلته حتى استدار زمانه * وعطفت آخره على الإبداء « 2 » ونجد نظرة المتصوفة هذه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمنطلقة من الحقيقة المحمدية ، في قول ابن زكريا الدروكي « 3 » من مدحة نبوية : يا قطب دائرة الوجود بأسره * لولاك لم يكن الوجود المطلق مذ كنت أوّله وكنت أخيره * في الخافقين لواء مجدك يخفق كنت النّبيّ وآدم في طينة * ما كان يعلم أيّ خلق يخلق « 4 »
--> ( 1 ) السيوطي : الخصائص الكبرى ص 4 . ( 2 ) ابن عربي : الفتوحات المكية 1 / 2 . ( 3 ) الدروكي : محمد بن مصطفى بن زكريا ، اشتغل بالعلم وتأدب ، كان يعرف التركية والفارسية ، تولى الحسبة بغزة ، وأدب الملك الناصر قليلا ، توفي سنة ( 713 ه ) . ابن حجر : الدرر الكامنة 4 / 259 . ( 4 ) ابن حجر : الدرر الكامنة 4 / 295 .